Kamis, 03 November 2011

علم الدلالة


 علم الدلالة (السيمانطيقا) منهج لقراءة نص صوفى
دراسة دلالية لمصطلح المحبة عند الخركوشى المتوفى 407 هجرية
للباحث/ أحمد حسن أنور حسن
ماجستير الفلسفة الإسلامية










































(1)           الجانب النظرى [علم الدلالة]
(2)    
تمهيد :
إن عنوان (دراسة دلالية) يمكن أن يتضمّن فائدة أن يوضح بدايةً المسألتين الخاصتين اللتين تؤكد عليهما هذه الدراسة ككل وتميّزانها: التصوف عند الخركوشى من جهة، وعلم الدلالة من جهة أخرى. والواقع أن كلاً من العنوانين مهمّ بصورة متساوية بالنسبة إلى الهدف الخاص بهذه الدراسة. وإذا كان علينا إهمال أىّ منهما، فإن العمل كله سيفقد معناه على الفور، لأنّ ما هو ذو أهمية أساسيّة هنا ليس الأول ولا الثانى باعتبارهما منفصلين، بل هذا الجمع نفسه بالذات. إنّ الجمع بين العنوانين يوحى بأننا سنقارب وجهًا محددًا من التصوف، من وجهة نظر لا تقل تحديدًا. ويجب أن نتذكر أن التصوف قابل لأن يُقارَب من وجهات نظر عديدة ومختلفة مثل الدينية والفلسفية والاجتماعية والنحوية والتفسيرية... إلى آخره، وأن التصوف يُظهر العديد من الأوجه المختلفة، التى قد تكون ذات أهمية متساوية. ولهذا، فإن من الجوهرى تمامًا أن نحاول منذ البداية امتلاك الفكرة الأكثر وضوحًا ما أمكن، حول ملائمة المنهج الدلالى لدراسة التصوف، ونرى إن كان ثمة فائدة حقيقية من مقاربة هذه الزاوية الخاصة.
إن مصطلح " دلالة " يوحى أوّلاً أن العمل سيقوم بصورة أساسية على تطبيقنا منهج التحليل الدلالى لمادة مستمدّة من معجم الخركوشى المتوفى407هـ[1]. ومن جانب آخر، فإنّ هذا سيوحى بأن الدلالة ستمثل بالنسبة إلىّ كل من مسألتى التوكيد اللتين تمت الإشارة إليهما للتوّ، الوجه المنهجى من عملنا، فيما سيمثل التصوف عند الخركوشى جانبه المادّى. إنّ كلاً منهما، كما قلت، ذو أهمية متساوية. لكن على الصعيد التطبيقى، أعنى فى ما يخصّ هدف هذه الدراسة، فإن الأول قد يكون أكثر أهمية من الثانى، ذلك أن هذه الدراسة موجّهة أولاً وبشكل رئيسى إلى أولئك الذين لديهم أصلاً معرفة تامة بالتصوف. ولذلك، فهم على استعداد لأن يُبدو اهتمامًا حيويًا بالمشكلات المفهومية التى تثيرها دراسة هذا النوع. فى حين يدركون فائدة أن يمتلكوا وجهة نظر جديدة حول مشكلات قديمة، ويقدرون قيمة ذلك.


أولا: مفهوم الدلالة Semantics:

        كان علم الدلالة مرتبطًا بعلم البلاغة التقليدية فى الثقافة الغربية القديمة، ولم يصبح للجانب الدلالى كيانًا مستقلاً إلا بعد أن نشر اللغوى الفرنسى ميشل بريل Michel Breal  مقالته فى عام 1897م، وهذه المقالة تحمل عنوان "مقالة فى علم الدلالة"[2]. وقد كشفت مقالة بريل للغويين المحدثين عن ميلاد علم جديد يعرف باسم "علم الدلالة" Semantics، ومن هنا ظهر الاهتمام بتحديد مفهوم هذا العلم، لأن هذا التحديد يعد المدخل الاساسى لمعرفة أبعاد علم الدلالة، ومدى علاقته بالعلوم الأخرى، وعندما ننظر فى دراسات المحدثين، نلاحظ أنهم اتفقوا على أن مفهوم علم الدلالة هو العلم الذى "يدرس المعنى"[3].
1 ـ الدلالة فى اللغة: مصدر الفعل دلَّ، وهو من مادة (دلل) التى تدل فيما تدل على الإرشاد إلى الشئ والتعريف به ومن ذلك "دله على الطريق، أى سدده إليه"، " وفى التهذيب دللت بهذا الطريق، دلاله: عرفته، ثم إن المراد بالتسديد: إراءة الطريق"[4] ومن المجاز "الدالّ على الخير كفاعله" ، "ودله على الصراط المستقيم"[5].
2 ـ الدلالة فى الاصطلاح العربى القديم: الدلالة كما عرفها الجرجانى 816هـ: "هى كون الشئ بحالة، يلزم من العلم به، العلم بشئ آخر، والشئ الأول هو الدال، والثانى المدلول" وهذا معنى عام لكل رمز إذا عُلم، كان دالا على شئ آخر ثم ينتقل بالدلالة من هذا المعنى العام، إلى معنى خاص بالألفاظ باعتبارها من الرموز الدالة[6]. وترتبط دلالة لفظ "الدلالة" فى الاصطلاح بدلالته فى اللغة، حيث انتقلت اللفظة من معنى الدلالة على الطريق، وهو معنى حسى، إلى معنى الدلالة على معانى الألفاظ، وهو معنى عقلى مجرد.
3 ـ الدلالة فى اصطلاح المحدثين: تبلور مصطلح الدلالة فى صورته الفرنسية Semantiqe على يد عالم اللغة بريل Breal صاحب أول دراسة علمية حديثة خاصة بالمعنى فى كتابه Essai de Semantiqe عام 1897م. والمصطلح مشتق من الأصل اليونانى Semantike المؤنت، ومذكره Semantikos أى "يعنى"، ويدل مصدره كلمة Sama وتعنى "إشارة" ثم انتقل المصطلح إلى اللغة الإنجليزية Semantics، وكانت هذه الكلمة تعنى فى القرن السابع عشر التنبؤ بالغيب، إذن فمصطلح Semantics قد أصابه تغير دلالى عن طريق الانتقال الدلالى من الدلالة على التنبؤ بالغيب إلى المعنى الاصطلاحى الجديد المنتمى إلى حقل اللغة[7]. والجدير بالذكر أن دراسة بريل قد اهتمت ببحث الدلالة فى ألفاظ تنتمى إلى لغات قديمة فى الفصيلة الهندية الأوربية مثل السنسكريتية واللاتينية، وبالرغم من ذلك فإن دراسة بريل تعد نقطة تحول لها أهميتها فى دراسة المعنى ومنهج البحث فيه، حيث اكتسب على يده الأسلوب الدلالى سمة العلمية واستقل عن علوم البلاغة فى الغرب، فقد ذهب فى بحثه إلى مذهبين[8]:
          الأول: يذهب فيه إلى تحديد المعانى عبر الزمان.
          الثانى: استخراج القوانين المتحكمة فى تغيير المعانى وتحويلها.

4 ـ تعريف المصطلح: تعنى الدلالة فى العربية تركيب إضافى يدل دلالة الاسم على مسمى خال من الدلالة على الزمان، وهو يقابل فى المصطلح الانجليزى Semantics وكلا المصطلحين العربى والانجليزى يدلان على "دراسة العلاقة بين الرمز اللغوى ومعناه، ويدرس تطور معانى الكلمات تاريخيًا، وتنوع المعانى، والمجاز اللغوى، والعلاقات بين كلمات اللغة"[9]. وواضح من هذا التعريف، أن الدلالة تهتم بدلالة الرمز اللغوى سواء أكان رمزًا مفردًا كأى كلمة مفردة، أم كان رمزًا مركبًا مثل التعبيرات الاصطلاحية، ويصاحب ذلك عناية بالأسباب المؤدية إلى هذا التغير، كما يعنى بدراسة العلاقات الدلالية بين هذه الرموز. ويرى بعض علماء المعاجم أن الدلالة تختص فقط بدراسة الألفاظ المفردة، دون القضايا أو النظريات المختلفة[10]. إلا أننا نرفض هذه النظرة التى اقتنعت بالأمور السطحية، حيث لا يوجد مجال للشك فى أهمية تطبيق المنهج الدلالى على الكثير من الدراسات، ويشهد عصرنا (خاصة فى الغرب) الكثير من الدراسات التى طبقت المنهج الدلالى وأثبتت أهميته فى الإضافة إلى معارفنا وخبرتنا فى كثير من المعارف والعلوم.
5 ـ توشيهيكو إيزوتسو  Toshihko Izutsuوالمنهج الدلالى: أول من قام من الباحثين بالتطبيق العلمى للمنهج الدلالى Semantics على الدراسات العربية الإسلامية بصفة عامة، والنص القرآنى بصفة خاصة فى كتابهGod and Man in The Koran. والغريب أن توشيهيكو كان يرغب فى تسمية كتابه هذا بـ "علم دلالة القرآن" دون تردد، لولا حقيقة أن الجزء الرئيسى من دراسته كان معنّى على وجه الحصر تقريبًا بمسألة العلاقة بين الله والإنسان فى الرؤية القرآنية للعالم.
ـ تعريف توشيهيكو لمصطلح الدلالة : يرى توشيهيكو أن ما يسمى بـ "علم الدلالة" هذه الأيام معقد جدًا بصورة مركبة، ويصعب تمامًا على غير المختص، إنْ لم يكن ذلك مستحيلاً، أن يأخذ ولو فكرة عامة عن ماهيته[11] وهذا يعود بشكل عام إلى حقيقة أنّ الدلالة كما يوحى الأصل الاشتقاقى الدقيق للمصطلح، علم يُعنى بظاهرة "المعنى" بأوسع معانى الكلمة، وهو واسع فى الحقيقة إلى درجة أنّ كل شئ تقريبًا مما يمكن اعتباره ذا معنى ـ أىّ معنى، سيكون مؤهّلاً تمامًا لأن يصبح موضوعًا لعلم الدلالة[12]. ومن هنا أن الـ "معنى" بهذا الفهم، يمدنا بعلماء ومفكرين فى مشكلات مهمة، يعملون فى حقول شديدة التنوّع من الدراسات المتخصصة، مثل علم اللغة بالمعنى الضيق للكلمة، وعلم الاجتماع، والانثروبولوجيا، وعلم النفس وعلم الأعصاب والتشريح، ولهذا حاول أن يبين توشيهيكو أن الدلالة فى هذه الحالة لا يمكن أن تكون إلا فلسفة من نوع جديد تقوم على تصور جديد للوجود، ولهذا أيضا يرى أنه من الطبيعى تحت ظل هذه الظروف أن يفتقر علم الدلالة إلى التناغم والاتساق. ولهذا يرى أن مهمته الأولى لابد من أن تكمن فى القيام بمحاولة لإيضاح تصوره الخاص لعلم الدلالة، لكنه لا يريد أن يقدم هذا التصور بشكل مجرد، بل يريد أن يقدمه بشكل منهجى، بل من خلال علاقته ببعض المشكلات العيانية والعميقة التى تثيرها لغة القرآن[13]. ولهذا فإن علم الدلالة كما يرى هو دراسة للمصطلحات المفتاحية الخاصة بلغة ما، تتطلع للوصول فى النهاية إلى إدراك مفهومين لـ "الرؤية للعالم" الخاصة بالناس الذين يستخدمون تلك اللغة كأداة ليس للكلام والتفكير فحسب، بل الأهم، كأداة لفهم العالم الذى يحيط بهم وتفسيره، إن علم الدلالة بهذا الفهم نوع من "علم الرؤية للعالم" (Weltanschauungslehre) [14] أو دراسة لطبيعة رؤية العالم وبنيتها لأمة ما، فى هذه المرحلة المهمة أو تلك من تاريخها، وهذه الدراسة تستهدى بوسائل التحليل المنهجى للمفاهيم الثقافية التى أنتجتها الأمة لنفسها وتبلورت فى المفاهيم المفتاحية للغتها. كذلك يوضح توشيهيكو وجهة نظره أكثر حيث يقول: "سيكون من السهل الآن أن ندرك أن كلمة [القرآن] فى عبارتنا علم دلالة القرآن، ينبغى أن تفهم فحسب بمعنى الرؤية القرآنية للعالم، أى النظرة القرآنية للكون، ولابد لعلم دلالة القرآن أن يبحث بشكل رئيسى فى مسألة كيفية تَبَنْيُن عالم الوجود فى منظور هذا الكتاب الكريم .... للوهلة الأولى، يبدو أن مهمتنا سهلة، وكل ما علينا كما قد يظن البعض، هو أن نستخرج من المعجم القرآنى بتمامه، كل الكلمات المهمة التى تمثل المفاهيم مثل [الله ـ إسلام ـ نبى ـ إيمان ...] ونبحث فيما تعنيه فى السياق القرآنى، ولكن المسألة على أية حال، ليست بهذه السهولة فى الواقع، ذلك لأن هذه المفاهيم لا توجد هكذا بكل بساطة بحيث توجد كل منها معزولة عن الأخرى، بل يتوقف بعضها على بعض بإحكام وتستمد معانيها العيانية من نظام العلاقات المحكم بينها، بمعنى آخر أنها تشكل بين أنفسها مجموعات متنوعة كبيرة أو صغيرة، ثم تترابط هذه المجموعات بدورها بأشكال متنوعة، وشبكة فى غاية التعقيد والتركيب من التداعيات المفهومية"[15].
ومن وجهة نظر الباحث فإن ما يهمنا هنا ليس كتاب توشهيكو، بل المنهج الذى استخدمة توشهيكو. فقد يعترض البعض على تطبيق توشهيكو للمنهج الدلالى على القرآن الكريم بصفة خاصة، والباحث لا يتحمل مسئولية ذلك لأن ما يهمنا هنا هو كيفية تعلم واستخدام هذا المنهج.

ثانيًا: المعنى (الأساسى) والمعنى (العلاقى) Basic Meaning And Relational Meaning:
إن المفاهيم لا توجد منعزلة وحدها، بل تكون دائمًا منظّمة إلى أقصى حد داخل نظام أو أنظمة، ولذلك يجب أن نميز تقنيًا بين ما يطلق عليه المعنى (الأساسى)، والمعنى (العلاقى). ويوضح توشيهيكو تلك النقطة بمثال من القرآن الكريم؛ فإذا أخذنا القرآن الآن، وتفحصناه، من زاوية نظر المصطلحات المفتاحية التى نجدها فيه، سنلحظ على الفور أمرين اثنين: الأول واضح تمامًا، حتى إنه عادى جدًا ومألوف يمكن الاستدلال عليه بسهولة، والثانى لا يبدو واضحًا إلى هذه الدرجة للوهلة الأولى، الوجه الواضح للمسألة هو أن لكل كلمة تؤخذ بشكل منفصل معناها الأساسى الخاص بها، أو محتواها المفهومى الذى تظلّ محتفظة به حتى لو اقتطعناها من سياقها القرآنى فكلمة "كتاب" على سبيل المثال، تعنى بصورة أساسية الشئ نفسه سواء أوُجدت فى القرآن أم خارجه. إن هذه الكلمة، ما دام يُعتقد أنها الكلمة نفسها من قبل المجتمع، تستبقى معناها الأساسى الذى يعتبر معنى عامًا جدًا، وهذا العنصر الدلالى الثابت يظل ملازمًا للكلمة حيثما ذهبت وكيفما استُعملت، وهذا ما يطلق عليه بـ (المعنى الأساسى) أما الوجه الثانى للكلمة: ففى السياق القرآنى تكتسب كلمة "كتاب" أهمية غير عادية، كعلامة على مفهوم دينى خاص جدًا، تحيط به هالة من القداسة، حيث ترتبط هذه الكلمة بعلاقة قوية جدًا بعدة مفاهيم مثل "الله" ، "وحى" ، "تنزيل" ، "أهل"، وهذا يعنى أن كلمة "كتاب" قد اكتسبت العديد من العناصر الدلالية الجديدة نتيجة علاقتها المتنوعة مع العديد من المفاهيم الأخرى[16]. بمعنى آخر (المعنى الأساسى) هو المعنى الخاص بالكلمة الواحدة حتى لو جاءت منفصلة عن كل الكلمات، أما (المعنى العلاقى) فهو المعنى الدلالى الذى تكتسبه الكلمة نتيجة دخولها فى مجموعة علاقات مع العديد من الكلمات الأخرى.
ولتوضيح ذلك بشكل مفصل انظر الشكل التالى :

( شكل رقم 1) : العلاقة بين المعنى الأساسى والمعنى العلاقى 



 













( أ ) كلمة "كتاب" فى سياق اعتيادى تظهر معنى الكتاب بسيطًا ومجردًا.
( ب ) كلمة "كتاب" نفسها فى الحقل الدلالى للوحى الخاص بالقرآن.

والسؤال الذى يطرح نفسه علينا: ما العلاقة بين المعنى الأساسى والمعنى العلاقى؟ المعنى الأساسى يأتى من الموروث اللغوى والاستعمال العادى للكلمة فى اللغة أما المعنى العلاقى فيأتى من خلال سياق معين وعند مؤلف معين وليس عام، ويأتى من خلال دراسة النص من شتى الجوانب كما سنرى لاحقًا. كذلك فإن المعنى العلاقى يزيد على المعنى الأساسى بتخصيص المعنى وتوضيحه، وقد يقوم المعنى العلاقى بالتغطية على المعنى الأساسى فى سياقات خاصة جدا، ومثال ذلك: نجد فى القرآن تغطية المعنى العلاقى لكلمة كتاب على المعنى الأساسى.
ومن هنا فإن لكل كلمة معنى دلالى متميز إذا وضعنا فى الاعتبار علاقتها المترابطة بالكلمات الأخرى.

ثالثًا ـ مفهوم الحقل الدلالى Semantics Field :
 تعود بدايات هذا المفهوم إلى عام 1877م، فقد استعمل تجنر Tegner مصطلح "حقل" فى مقال له بعنوان "تقديم أفكار الحقل اللغوى" Die Idee des sprachlichen Feld، وفى عام 1858م استخدم آبل Abel مفهوم الحقل اللغوى، ويرى بعض الباحثين أن هذه النظرية فى الأصل تعود إلى الألمانى هردر Herder 1772م، ثم تطورت على يد هومبولدت Humboldt 1767 ـ 1835م، ولكن شيوع المصطلح يعود إلى أدموند هوسرل Husserl [17].
أما الحقل الدلالى: فهو مجموعة من المفاهيم أو المصطلحات الأساسية التى تترابط فى ما بينها لتؤدى وظيفتها المستقلة فى إطار النظام المفهومى الشامل، وهذا الأخير يتكون عادة من عدد يقل أو يكثر من الحقول الدلالية المتعالقة[18]. ومن هنا يعد الحقل الدلالى قطاعًا متكاملاً من المادة اللغوية يعبر عن مجال معين من الخبرة عن طريق ترابط مفردات اللغة التى تشترك فى التعبير عن معنى عام؛ طبقا لما أودع الله العقل البشرى من قدرة على تداعى المعانى.

رابعًا ـ المعجم والرؤية الدلالية للعالم :
        إن تحليل العناصر الأساسية والعلاقية لمصطلح مفتاحى ما لابدّ من أن يستهدى بطريقة كهذه، وعندما  ننجح فى إنجازه، فإنّ دمج وجهى معنى الكلمة سيتكشف عن وجه استثنائى آخر؛ وجه خطير للثقافة كما مورست أو تمارس من قبل الذين ينتمون إليها، وفى النهاية، إذا ما استطعنا فى أن نعيد ـ على المستوى التحليلى ـ تنظيم مجمل بنية الثقافة كما عيشت أو كما تعاش فى الواقع، بما أن القضية قائمة فى تصور الناس. وهذا ما نريد تسميته بـ "الرؤية الدلالية للعالم"، بقى الآن أن نشرح بالتفاصيل الأسس التى نستطيع تقديمها للتدليل على أنها تشكل فلسفيًا تلك الأنطولوجيا الحركية التى تمت الإشارة إليها[19].
        من هذا المنظور، فإن الكلمات فى لغة ما تؤلف نظامًا مترابطًا بإحكام ذلك إن النمط الرئيسى لهذا النظام يتحدد بعدد معيّن من الكلمات ذات الأهمية الخاصة. ومن الضرورى الإشارة هنا إلى أنه ليس كل الكلمات فى معجم ما ذات قيمة متساوية فى تشكيل البنية الأساسية للتصور الأنطولوجى المباطن للمعجم، مهما يمكن أن تبدو مهمة من وجهات نظر أخرى مثلا: كلمة حجر Stone قد تكون مهمة جدًا فى الحياة اليومية للذين يتكلمون الإنجليزية، لكن الكلمة كما يبدو لا تؤدى أى دور حاسم فى تمييز رؤية العالم الخاصة باللغة الإنجليزية المعاصرة، فى حين أن كلمات أخرى قد تؤدى إلى تقديم رؤيا للعالم بشكل متفاوت[20]. كذلك فإن فرز المصطلحات المفتاحية عن مجمل المعجم سيكون جزءًا مهمًا جدًا ـ وصعبًا جدًا كذلك ـ بالنسبة للمنهج الدلالى، لأن ذلك سيحدد كل العمل التحليلى اللاحق، وهذا سيمثل بلا ريب الأساس الدقيق للصرح ككل[21]. ومن المحتمل أيضًا أن يدخل قدر معين من العشوائية فى أثناء مرحلة اختيار الكلمات المفتاحية، مما قد يؤثر بعمق، على الأقل بعض الأوجه السلبية فى مجمل الصورة، لذلك ينبغى الحرص الشديد أثناء محاولة اختيار الكلمات المفتاحية لنص ما، وكذلك ينبغى تقديم الأسباب والدوافع التى أدت إلى اختيار كلمة ما لتكون ضمن الكلمات المفتاحية. ثم تدخل الكلمات المفتاحية فى علاقات مختلفة ومعقدة فى ما بينها، فلا توجد هذه الكلمات مستقلة بعضها عن بعض، بل تترابط كل واحدة منها مع الأخرى بطريقة معقدة واتجاهات مختلفة. ولتوضيح ذلك: لتكن أ، ب، ج، د، هـ، و، ز مصطلحات مفتاحية لمعجم ما. إن الكلمة أ بمعناها الأساسى الخاص مرتبطة بقوة مع ب، د، هـ. والكلمة ب بدورها ممتلكًة معناها الأساسى الخاص، لها علاقة صميمة مع هـ، و، ز بالإضافة إلى أ، والكلمة ز مع ج، و، ب..... إلى آخره، وعليه فإن الكلمات مأخوذة ككل، تقدم نفسها لنا بوصفها نظامًا على أعلى درجات التنظيم مكونًا من عناصر يتوقف بعضها على بعض تبادليًا، وشبكة من الترابطات الدلالية، والنتيجة أن كلمات المعجم كلها ستوزع على امتداد هذه الخطوط الكبرى. ومن هنا نرى أنّ المعجم، بهذا الفهم، ليس مجرد مجموع إجمالى من الكلمات[22]، أعنى أنه ليست مجموعة تكونت مصادفة أو بلا نظام أو أساس، بل إن نظامها فى التداخل والتشابك سيكون المعيار لاستبعاد أى كلمة قد تدخل بطريق عشوائى أو عن طريق الخطأ إلى الكلمات المفتاحية. كذلك سيمثل كل حقل دلالى مجالاً مفهوميًا مستقلاً نسبيًا عن المعجم ومشابهًا له تمامًا من حيث الطبيعة. والسؤال الذى يطرح نفسه علينا الآن: ما هو الفرق بين المعجم والحقل الدلالى؟ يقدم توشيهيكو الإجابة فيقول: "الفرق بين المعجم والحقل الدلالى نسبى، كما هو واضح، بل ليس بينهما فرق جوهرى على الإطلاق، ذلك أن الحقل الدلالى، فى النهاية، لا يقل عن المعجم من حيث كونه كلاً منظمًا، إذ هو مجموع تام من الكلمات التى نُظّمت فى نموذج ذى معنى ويمثل نظامًا من المفاهيم المرتبة والمبنية على أساس المنظومة المفهومية. إن المعجم، يتضمن عادةً عددًا من القطاعات، أى أن المعجم، بوصفه حقلاً دلاليًا أوسع، ينقسم إلى عدة حقول خاصة، إلا أن كل واحد من هذه الحقول كقطاع منظم من المعجم، مؤهل بنفسه تمامًا لأن يدعى معجمًا إذا كان واسعًا كفاية كى يعامل كوحدة مستقلة. إلا إننا عندما نعدّه جزءًا خاصًا من كل أوسع، فإننا نميزه من الأخير بتسميته "حقلاً دلاليًا". والأخير بهذا الفهم نظام ضمن نظام، أى هو نظام ضمنى أو فرعى"[23].

خامسًا ـ مصطلح المحبة نموذجًا :
سيقوم الباحث بتطبيق هذا المنهج على باب المحبة عند الخركوشى، وقبل أن يقوم الباحث بهذا العمل، ينبغى أن يوضح الأسباب التى دفعته إلى اختيار هذا الباب على وجه التحديد. ومن ضمن هذه الدوافع:
1 ـ أن مصطلح المحبة من أهم المصطلحات فى التصوف الإسلامى، فبدونه يظل الإنسان فى نظر الصوفية مفقودًا بلا حياة. 
2 ـ افتراض الباحث أن الشوق والقرب والأنس والمشاهدة عند الخركوشى يعتمد على المحبة بداية.
3 ـ ظهور قوى للمصادر التى تأثر بها الخركوشى فى باب المحبة، خاصة بـ (ذى النون، البسطامى، الجنيد، الشبلى*).
4 ـ إلمام الخركوشى بالتراث السابق عليه فى هذا الموضوع، والدليل على ذلك أنه يذكر رابعة العدوية، وسمنون المحب، وهما من الشخصيات المشهورة فى التصوف الإسلامى بصفة عامة، والمهتمين بفكرة الحب بصفة خاصة.

(2) : الجانب التطبيقى للمنهج الدلالى لمصطلح المحبة :
تمهيد:
      قبل الدخول فى تفاصيل هذا الباب ينبغى علينا أولاً أن نشير إلى بعض الخطوط الأساسية التى قام الباحث بعملها قبل البدء فى الجانب التطبيقى. فقد قام الباحث بمجموعة خطوات هى:
      أولاً: تحديد إطار البحث الدلالى وهو (باب المحبة فى كتاب تهذيب الأسرار للخركوشى).
      ثانيًا: ترقيم الأقوال الواردة فى باب المحبة كى يسهل الرجوع إليها، وقد وصلت إلى واحد وثمانين فقرة، وقد أعطى الباحث لكل فقرة رقمًا خاصًا.
      ثالثًا: لم يتطرق الباحث إلى تحليل الفقرات التى احتوت على آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، فليست مهمة الباحث تحليل الآيات والأحاديث النبوية، لعدم تعمق الباحث فى ذلك، وأيضًا لأنها تحتمل العديد من المعانى.
      رابعًا: سيتم عمل التحليل الدلالى على ثلاثة مستويات للمحبة لدى الخركوشى، وهى كالتالى: المستوى الأول: تكون المحبة فيه مرتبطة باتباع أحكام الشريعة والعبادات. المستوى الثانى: تكون المحبة فيه مرتبطة بالترقى الأخلاقى والروحى. المستوى الثالث: تكون المحبة فيه مرتبطة بعدة أمور منها الفناء، الرؤية، السكر، ... إلخ. 
      خامسًا: استخراج الكلمات المفتاحية من كل مستوى من المستويات الثلاثة السابقة الذكر، وهذا سوف يساعدنا فى أمرين هامين؛ الأول: الإمساك بمعنى الكلمة لدى الخركوشى نفسه دون عمل أى إسقاط على المعنى من جانب الباحث. ثانيًا: ملاحظة تطور مصطلح المحبة فى كل مستوى من المستويات الثلاثة فى ضوء علاقته بالكلمات المفتاحية التى تدور حوله.
أما عن الخطوات التطبيقية التى يتناولها الباحث فى هذا الجانب فهى:
1ـ استخراج المعنى الأساسى Basic Meaning لأصل المادة اللغوية (ح ب ب) من المعاجم اللغوية. 
2ـ البحث عن معجم المشتقات لأصل مادة (ح ب ب) فى نصوص باب المحبة عند الخركوشى.
3ـ تحليل دلالى للنصوص بالبحث عن (المعنى العلاقى Relational Meaning) من خلال الكلمات المفتاحية التى صنفناها حسب المقولات الآتية: المحب والمحبوب، سبب الحب، غاية الحب، الأضداد، نتائج الحب، وما شابه ذلك. ولتحليل هذا المعنى فإن الباحث سيقدم شرحًا دلاليًا لكل مستوى من المستويات الثلاثة للمحبة على حده حتى يتسنى لنا الكشف عن حقيقة مفهوم المحبة لدى الخركوشى.
1 ـ المعنى الأصلى لمادة [ح ب ب]:
فى اللغة: [ح ب ب] الحاء والباء والباء أصول ثلاثة، أحدها اللزوم والثبات، والآخر الحبّة من الشئ ذى الحبّ، والثالث وصف القصر.. وأما اللزوم فالحب والمحبة، اشتقاقه من أحبه إذا لزمه...[24].
حبب: الحُبُّ نَقيضُ البُغْض. والحب: الودادُ والمَحَبَّةُ، وكذلك الحبُّ بالكسر. وحُكى عن خالد بن نَضْلَة: ما هذا الحب الطارق؟ وَأَحَبَّهُ فهو مُحِبٌّ، وهو مَحْبُوبٌ على غير قياس هذا الأَكثُر، وقد قيل مُحَبٌ، على القياس...[25].
وقد أورد القشيرى فى الرسالة عدة تعريفات للحب نذكر منها قوله: "وقيل هو مأخوذ من الحب، والحب جمع حبة. حبة القلب ما به قوامه فمسى الحب حبًا باسم محله"[26].
وقد ورد ذكر الحب فى القرآن ثلاثا وثمانين مرة [27]. إلا أن الصوفية قد اهتموا اهتمامًا كبيرًا بالآية (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [28] والآية (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)[29] وسبب اهتمام الصوفية بهاتين الآيتين على وجه الخصوص هو إثبات الحب المتبادل بين الله والعبد[30]. وليس الهدف هنا دراسة كلمة الحب فى القرآن بل الهدف هنا هو الإشارة فقط إلى اهتمام الصوفية بشكل كبير بالآيات القرآنية التى ذكر فيها كلمة حب.

2 ـ المعجم اللغوى لمادة [ح ب ب]:
نبين المعجم اللغوى لمادة [ ح ب ب ] فى باب المحبة من خلال عرض المشتقات الموجودة فى هذا الباب من الأفعال والأسماء، والتى وردت فى كتاب تهذيب الأسرار، وتأتى فى الشكل الآتى:
1 ـ جدول تصريف الأفعال الخاصة بمادة [ح ب ب]
الزمن
الفعل
العدد
الماضى
أحَبَّ
3
أحْبَبْتُ
3
المضارع
يُحبُّ
1
تُحِبُّ
6
أحِبُّ
9
المجموع
22


2 ـ جدول تصريف الأسماء الخاصة بمادة [ح ب ب]
نوع الاسم
الاسم
العدد
اسم الفاعل
مُحِبٌّ [مفرد]
16
المحبون [جمع]
5
اسم المفعول
مَحْبُوبٌ
13
المصدر
مَحَبَّةُ
67
حُبُّ
37
صفة مشبهة
حبيب [مفرد]
7
الأحباب [الجمع]
2
المجموع
147

3 ـ ملاحظات : بعد رصد الشكل اللغوى لمعجم مادة [ح ـ ب ـ ب] يمكننا أن نلاحظ ما يلى:
(1) الأسماء أكثر بكثير من الأفعال، حيث أتت الأسماء مائة وأربع مرات، أما الأفعال فقد أتت اثنتين وعشرين مرة فقط.
(2) كون أن الأسماء اكثر من الأفعال يمكننا أن نلاحظ أن الجمل الاسمية أكثر من الجمل الفعلية، وخاصة تلك الجمل التى تبدأ بلفظ المحبة.
(3) ومن هذا يمكننا ملاحظة أن سبب كثرة الجمل الأسمية هو أن الخركوشى كان يرّوى أقوال السابقين عليه التى تأتى كتعريف للمحبة.      
وربما قد يرى بعض اللغويين أن الشكل اللغوى لمعجم مادة [ح ـ ب ـ ب] لدى الخركوشى قد يؤدى إلى ملاحظات أخرى. ولكن الباحث يلتزم النهج الدلالى وبصورة محددة، لذلك التزم الباحث تقديم الشكل اللغوى لمادة [ح ـ ب ـ ب] كخطوة أساسية قبل الدخول فى التحليل والحقول الدلالية. 

3 ـ التحليل الدلالى للنصوص:
        وهذا هو مستوى المقاربة الدلالية المحدّدة ـ بفتح الدال ـ لنص صوفى، ففى هذا المستوى تختبر الكلمات فى سياقها الفعلى وصلاتها المطّردة وعلاقاتها المتبادلة فى حقولها الدلالية التى ترد فيها تلك الكلمات محبوكة فى نسيج النص، إن مقاربة كهذه تساعد فى الإمساك بالمعنى الفعلى للكلمة ـ وهذا الذى كان فى ذهن المؤلف عند تصوره وتأليفه لذلك النص، وأبعد من هذا، فبإمكاننا أن نربط حقول النص الدلالية معًا، مُلقين الضوء على علاقاتها المتبادلة التى من خلالها يظهر التركيب العام للنص[31].
        ومن هذا المنطلق سنشرع فى عملية التحليل الدلالى للنص الوارد فى باب المحبة لدى الخركوشى، وكما ذكرنا سلفا ستكون هذه العملية على ثلاث مراحل، حيث تم تقسيم باب المحبة لدى الخركوشى إلى ثلاثة مستويات سيتم تحليلها دلاليا من أجل الخروج بحقل دلالى خاص لكل مستوى آملين فى ذلك الكشف عن معنى مصطلح المحبة فى كل مستوى عن طريق رصد شبكة العلاقات والتفاعلات بين مصطلح المحبة والألفاظ الأخرى. ثم محاولة رصد التداخل والترابط بين المستويات الثلاثة من أجل الوصول إلى الصورة الكاملة لمعنى المحبة لدى الخركوشى.
                                                                  

أ ـ المستوى الأول للمحبة:
        بعد أن قام الباحث بترقيم النص [ملحق فى نهاية الفصل] الخاص بباب المحبة وجد الباحث أن هناك الكثير من العبارات التى تدور فى فلك المستوى الأول من مستويات المحبة. انظر الجدول التالى:
ـ التحليل الدلالى للمستوى الأول للمحبة
أرقام الفقرات
(4 ـ 8 ـ 11 ـ 28 ـ 33 ـ 39 ـ 41 ـ 62 ـ 63 ـ 80) [32]
المحب
العبد (مشترك فى جميع العبارات)
المحبوب
الله (مشترك فى جميع العبارات)
الكلمات المرتبطة بالمحبة
يمكن تصنيف صفات المحبة فى هذه المرحلة تحت ثلاث موضوعات:
1 ـ الطاعات : (إتباع الرسول ـ الطاعة ـ الصدق ـ ترك المعصية ـ الهرب من المعصية ـ غض البصرـ الخوف ـ المعاينة).
2 ـ العبادات : (الصلاة ـ الصيام ـ الصدقة ـ الخدمة)
3 ـ النوافل : (المدح باللسان "الذكر" ـ قيام الليل ـ ذكر الفضل ـ كراهية البقاء فى الدنيا ـ الدعاء ـ الرضوان ـ الامال ـ إقامة الخدمة ـ الرغبة ـ الطلب بمعنى الدعاء)
الأضداد
(الكراهية ـ المعصية ـ الادعاء ـ ترك النوافل ـ مدح غيره باللسان ـ الذنوب)
الغاية 
(الخروج إلى المحبوب ـ حب الله ـ القرب من الله )
السبب
الإيمان (استنتاج)

فمن الملاحظ من خلال عملية الرصد التى قام بها الباحث فى الجدول السابق، أن المحب هو العبد، والمحبوب هو الله. وكذلك رصد شبكة العلاقات والتفاعلات بين لفظ المحبة والألفاظ الأخرى مثل: الطاعات ـ العبادات ـ النوافل [انظر الحقل الدلالى للمستوى الأول للمحبة] وبدون الربط بين لفظ المحبة وهذه الألفاظ لن يكون ممكنًا فهم معنى المحبة فى المستوى الأول. وكذلك رصد ما يمكن أن نسميه أضداد المحبة مثل (الكراهية ـ المعصية ـ الذنوب). وكذلك نستطيع أن نستنتج أن معنى المحبة هنا عام، بمعنى أنه لا يعبر بعمق عن التجربة الصوفية. فالمستوى الأول يرتبط بشكل مباشر بظاهر الشريعة من الطاعات والعبادات، ولنرى بعد ذلك ما يميز المستوى الثانى والثالث عن هذا المستوى.

(1) الحقل الدلالى للمستوى الأول للمحبة:
Radial Diagram










ب ـ المستوى الثانى للمحبة:
وفى هذا المستوى نجد أن المحب فى أغلب الأحوال هو الإنسان وأن المحبوب هو الله، إلا أن هناك بعض العبارات التى تشير إلى أن المحب هو الله والمحبوب هو الإنسان. أى أن الحب فى هذا المستوى متبادل بين الله والعبد. وكذلك نجد فى هذا المستوى أن مصطلح المحبة يحدد فى ضوء علاقته بعدة مصطلحات مثل (الإيثار ـ المعرفة ـ الرضا ـ البكاء ـ تحمل البلاء) انظر جدول التحليل الدلالى:

ـ التحليل الدلالى للمستوى الثانى للمحبة
أرقام الفقرات
(10 ـ 12 ـ 13 ـ 14 ـ 16 ـ 18 ـ 20 ـ 22 ـ 29 ـ 30 ـ 31 ـ 36 ـ 37 ـ 39 ـ (من42 إلى60) ـ (من 65 إلى 68) ـ 71 ـ 77 ـ 78.
المحب
( تبادل بين الله والإنسان)
المحبوب
(تبادل بين الله والإنسان)
الكلمات المرتبطة بالمحبة
الإيثار ـ التعبير عن الحب ـ الصبر على البلاء ـ طلب البلاء ـ تعظيم الحبيب ـ الزهد ـ الخشية ـ الأنس ـ التفكر ـ ديمومة المحبة ـ الإستيحاش من الخلق ـ الرضا ـ البكاء ـ الذكر ـ الأمل ـ الوفاء ـ الشفقة ـ البر ـ الخضوع ـ القرب ـ المعرفة .
الأضداد
الخداع 
الغاية
القرب من الله (استنتاج)

واللافت للنظر أيضا أن بعض هذه المصطلحات قد تأخذ فى تطور صعودى مع مصطلح المحبة فمصطلح تحمل البلاء على سبيل المثال يظهر على أربع مراحل؛ فأولها ما نجده فى الفقرة رقم (14) حيث يتم اختبار صدق المحب عن طريق الصبر على تحمل البلاء. والثانى: ما نجده فى الفقرة رقم (22) حيث يتم ثبوت الحب والدليل على ذلك طلب المحب للبلاء. والثالث: ما نجده فى الفقرة رقم (29) حيث لا يتوقف المحب عن طلب البلاء، بل يطلب أقصى درجات البلاء. الرابع: ما نجده فى الفقرة رقم (67) شعور المحب بحلاوة البلاء، وهذه أعلى مرحلة من مراحل تحمل البلاء فى المستوى الثانى للمحبة لدى الخركوشى. ويبدو أن المستوى الثانى للمحبة يرتبط بشكل كبير بالترقى الأخلاقى والصفاء الروحى والقرب من الله.


(2) الحقل الدلالى للمستوى الثانى للمحبة

Radial Diagram
                                               











ج ـ المستوى الثالث للمحبة:
        وفى هذا المستوى نجد أن مصطلح المحبة يحدد فى ضوء تفاعلاته وتدخلاته مع بعض المصطلحات مثل (المحو ـ الفناء ـ الرؤية ـ السكر ـ الاحتراق ـ الولاية ـ المعرفة). والملفت للنظر أيضا أن بعض هذه المصطلحات قد تأخذ فى تطور صعودى مع مصطلح المحبة فمصطلح (المحو) على سبيل المثال نجده فى الفقرة رقم (19) على أنه محو ما سوى المحبة. أما الفقرة رقم (69) فيظهر على أنه محو الذات. أما الفقرة رقم (74) فيصل فيها المحو لدرجة حرق الصفات والحاجات. وكذلك مصطلح (السكر) ففى الفقرة رقم (15) نرى أن السكر من نتائج المحبة، أما فى الفقرة رقم (70) نجد أن السكر نهايته شهود المحبوب، وأثناء عملية الشهود يتم التحول من السكر إلى الصحو.
        وأيضا مصطلح (الرؤية) ففى الفقرة رقم (52) تعتبر الرؤية رؤية المحبة والمحبوب فى آن واحد، أما فى الفقرة رقم (75) يكون الخروج من رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب.
(3) الحقل الدلالى للمستوى الثالث فى المحبة
Radial Diagram








       
ومن هنا يمكننا ملاحظة تطور بعض المصطلحات المرتبطة بهذا المستوى؛ مثل مصطلح (المحو، السكر، الرؤية). وتعتبر هذه المصطلحات من أهم الكلمات  المفتاحية التى يصعب فهم معنى المحبة لدى الخركوشى فى المستوى الثالث بدونها. فالعلاقة بين هذه المصطلحات ومصطلح المحبة من ناحية، وتطور هذه المصطلحات من ناحية آخرى هو ما يكشف عن معنى المحبة لدى الخركوشى فى المستوى الثالث. ويظهر من التحليل الدلالى أن المميز الحاسم فى هذه المرحلة هو الفناء بمعنى أن المحب يفنى عن ذاته فى رؤية المحبوب.

4 ـ أهم النتائج:
(1) مما سبق من هذه الدراسة الدلالية يبدو جليًا أن الخركوشى قد أراد أن يعرض رؤيته للمحبة بإنتقائه من أقوال السابقين عليه. والمحبة لديه تأتى على ثلاثة مستويات بشكل صعودى من ظاهر الشريعة إلى الترقى الأخلاقى إلى رؤية المحبوب. ومن هنا يظهر لنا أن الخركوشى لم يكن مجرد ناقل بشكل عشوائى، بل امتلك الإبداع التركيبى حيث استطاع أن يقدم لنا رؤيته من خلال أقوال السابقين عليه.
(2) من نتائج هذا البحث الدلالى يبدو لنا ان المصطلحات الصوفية عند الخركوشى ذات حركة دينامكية، بمعنى أنها تتحول وتتطور من المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى، كما لاحظنا فى رصدنا لبعض المصطلحات مثل (تحمل البلاء ـ المحو ـ السكر ـ الرؤية).
(3) من خلال ما سبق يتضح لنا أهمية استخدام المنهج الدلالى فى الكشف عن معنى المصطلحات وتطورها داخل النص الواحد، فقد تمكن الباحث من إظهار مستويات المحبة وتطورها من خلال استخدام الحقول الدلالية التى كانت بمثابة الآلة التى تقوم بتنفيذ هذا المنهج. وكذلك تبين لنا الكلمات المفتاحية المرتبطة بمصطلح المحبة فى كل مستوى من المستويات الثلاثة. والحقيقة أن استخدام هذا المنهج قد أدى إلى فهم كبير للنص، لم يكن مفهمومًا قبل استخدام هذا المنهج.




[1]   هو أبو سعد عبد الملك بن محمد بن إبراهيم الواعظ، عرف بالخركوشى نسبة إلى خركوش بمدينة نيسابور حيث ولد بها وإليها عاد فى أواخر حياته. مؤلفاته (تهذيب الأسرار، البشارة والنذارة، شرف المصطفى، سير الزهاد والعباد، كتاب الزهد، دلائل النبوة) ويعد كتاب تهذيب الأسرار من أهم كتب الخركوشى فى التصوف.
مصادر ترجمته: تاريخ بغداد 10/432 ـ الأنساب 2/343 ـ تبيين كذب المفترى 233 ـ المنتظم 15/115 ـ تذكرة الحفاظ 3/1066 ـ طبقات السبكى 5/222 ـ شذرات الذهب 3/184 ـ سير أعلام النبلاء 17/256ـ 257. 

[2]   عبد الكريم مجاهد، الدلالة اللغوية عند العرب، دار الضياء، الأردن، عمان ، 1985 م ، ص : 12.
[3]   جون لاينز، علم الدلالة، ترجمة محمد عبد المجيد ماشطة وآخرين، طبع جامعة البصرة، بغداد، 1987 م، ص: 9. 
[4]   الزبيدى، تاج العروس، طبعة الكويت، ج 28 ص 497 ـ 498 . 
[5]   الزمخشرى ، أساس البلاغة، ص 134. 
[6]   فريد عوض حيدر، علم الدلالة  دراسة نظرية وتطبيقية، مكتبة الآداب، القاهرة، 2005 م،ص: 11.
[7]   F.R Palmer , Semantics , second , edition , Cambridge, 1981 . p1-2.
[8]   إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ ، مكتبة الأنجلو ، القاهرة ، 1985م ، ط 5 ، ص 7
[9]   فريد عوض حيدر، المرجع السابق ، ص14.
[10]   المرجع السابق: 15 .
[11]   من أجل نظرة عامة واسعة رصينة للمجال الذى يغطيه علم الدلالة كله ، مع عرض موجز للخلفية التاريخية ، نحيل القارئ إلى عمل البروفيسور ستيفن أولمان :
Stephen Ullmann , Semantics ; an Intoduction on The Meaning , Oxford , Basil Blackwell , 1962.
[12] Toshihiko Izutsu , God and Man in The Koran , The KEIO Institute of Cultural, Tokyo , 1964, p 10.
[13]   Toshihiko Izutsu, op.cit, p. 11.
[14]   يعنى هذا المصطلح (علم الرؤية للعالم) وقد أسهم ليو فيسجيربر من جامعة بون فى تطوير فكرة أن علم الدلالة نوع من علم الرؤية للعالم والذى كان يؤكد دائما ومنذ النصف الأول من القرن الماضى أهمية اللغة الإنسانية كعملية تشكيل للعالم لمزيد من التفاصيل انظر :
Leo Weisgerber , Grundformen spraachlicher , Arbeitsgemeinschaft fur Forschung des Landes Nordrhein – Westfalen ; hft 105 , Koln und Opladen .
ولعرض مجمل ومختصر ومثير للإعجاب لفرضيته ، حيث تتفق فلسفته اللغوية الهمبولدتيه (نسبة إلى العالم اللغوى همبولدت) فى كثير من نقاطها الجوهرية مع ما يعرف هذه الأيام فى العالم الناطق بالإنجليزية تحت اسم سابير ـ وورف . وفى ما يخص هذه النظرية ، انظر الدراسة النقدية لـ بول هنلى:
Roger W . Brown (et al.), language, Thought and Culture, Edited by ; Paul Henle (Ann Arbor, MI ;University of Michigan press, 1958), chap.1.
[15]   Toshihiko Izutsu, op.cit, p. 11- 12.
[16] Ibid , p. 18 - 19.
[17]   فريد عوض حيدر ، المرجع السابق ، ص : 172 .
[18]  Toshihiko Izutsu, op.cit, p.20-21.
[19]   Ibid , p.24 .
[20]   Ibid , p.25 .
[21]   Ibid , p 25 .
[22]   إن الفكرة الشائعة عن المعجم بوصفه قاموسًا يضم كلمات مرتبة بدقة وفقًا للنظام الألفبائى، غير واردة هنا.
   [23]  Toshihiko Izutsu, op.cit, p.28.
*  انظر أحمد حسن أنور، التصوف عند عبد الملك الخركوشى، رسالة ماجستير غير منشورة كلية الاداب جامعة المنوفية، ص: 74- 76.
[24]  معجم مقاييس اللغة، مادة حبب .
[25] ابن منظور، لسان العرب، تحقيق أمين عبد الوهاب، دار إحياء التراث العربى، بيروت، لبنان، 1999م،الجزء الثالث، ص 7.
[26] عبد الكريم القشيرى، الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف، دار الكتب الحديثة، القاهرة، بدون تاريخ نشر، ص 144.
[27] محمد فؤاد عبد الباقى، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار الحديث، القاهرة، 1996م، ص234ـ 236.
[28]  سورة آل عمران، الآية: 31.
[29]  سورة المائدة، الآية: 54.
[30] لمزيذ من التفاصيل انظر ـ الحب الإلهى فى التصوف الإسلامى "دراسة فى التطور الدلالى":
 Giuseppe Scattolin, Love (HUBB) of God In Islamic Mysticism A Study of Semantic Development, Institut Dominicain, Mideo 23, Paris,1997, P239-258.
[31] جوزيبى سكاتولين، بحث بعنوان منهج لقراءة نص صوفى، نشر بمجلة المؤتمر الدولى الثانى بعنوان "المستشرقون والدراسات العربية والإسلامية"، رابطة الجامعات الإسلامية، مصر، المنيا، 2006، الجزء الرابع، ص 1232.
[32]  قام الباحث بترقيم باب المحبة لدى الخركوشى والأرقام المدونة فى الجدول هى أرقام الفقرات التى ترتبط بالمستوى الأول للمحبة حسب تحليل الباحث، ووجد الباحث أنه من الصعب سرد تحليل كافة فقرات باب المحبة فى هذا الفصل لأن ذلك سيؤدى إلى تضخيم الحجم بشكل كبير، وما يهم الباحث هو نتائج التحليل الدلالى لكن الباحث يقدم هنا نموذجًا لأسلوبه فى التحليل الدلالى للنص:
العباره رقم (4): إن المحبة هى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم المحبة كراهية البقاء فى الدنيا، ومحبة شرعه الخروج إلى المحبوب مع الطاعة.
(المحب: العبد ) ـ (المحبوب: الله) ـ (الكلمات المرتبطة بالمحبة: إتباع الرسول ـ الطاعة ـ شرع ـ كراهية البقاء فى الدنيا) ـ (النتائج: الخروج إلى المحبوب) ـ (الأضداد : الكراهية).
حيث قمنا بتحليل كافة الفقرات على هذا الشكل من أجل الكشف عن شبكة العلاقات والتفاعلات بين مصطلح المحبة والمصطلحات الأخرى فى هذا المستوى.